ابن عربي
463
مجموعه رسائل ابن عربي
لبيت المقدس ، ثم إلى السماء ، ثم بالرجوع إلى الكعبة تأسيسا للشريعة في التوجه الحسي في الصلاة أولا لبيت المقدس ، ثم للسماء في قوله تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ثم بالرجوع إلى قبلة مكة في قوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . إشارة : لما كان توجه الإسراء إلى مكة بعد خروجه من حضرة القرب في التلقي إلى حضرة القرب في التبليغ ، جاء التشريع في التوجه إلى الكعبة على وفق المناسبة ، فقال فيه : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ومن هذا يفهم السر في قوله تعالى : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ إلى قوله : وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وهذا المخرج للدعوة والتبليغ ، هو المخرج الذي ورثه عنه أمته في قوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ الآية . تنبيه : قوله تعالى : ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى إيّاك أن تفهم أن ذلك يشعر بتحديد في القرب ، أو تخصيص في جهة ، وإنما هو دنو تجل وكشف ، لأنه ذكره في قصة الإسراء بالروح ، ألا ترى قوله تعالى بعده : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ثم ذكر بعده الإسراء الحسي فقال تعالى : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى إلى قوله : لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى فإذا علم أنه دنو تجل روحاني ، وكشف عرفاني ، فهمت سر قوله : وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى من قوله : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ فكان أفقه في الرؤية ، وفي بيان الحق فكان قابَ قَوْسَيْنِ أي قدر قوسين ، والقوس في اللغة يستعمل للذراع ، وما يقدر ويقاس به ، وهو المراد هنا ، وهو من قوله تعالى في الصحيح : « أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه حين يذكرني » الحديث ، وفيه : « فإن تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا » . وليس المراد فيهما ذراع حسي محدود ، إنما المراد تمثيل التقريب لدنو الذاكر من المذكور في مجالس النجوى والذكر ، وتجلى سر المعية للقلب ، وأوفى الرتب في ذلك تحقق القلب بسر سُبْحانَ اللَّهِ وسر الْحَمْدُ لِلَّهِ وكذلك كان ( ص ) ليلة الإسراء . وإذا أردت التحقق لذلك فخذه من افتتاح سورة الإسراء ب : سُبْحانَ واختتامها بقوله : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثم نبه على انتفاء التقدير من دنوه بقوله : أَوْ أَدْنى وهو التحقق بالتوحيد في نعيم الرؤية للآية الكبرى ، وهي : لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ولذلك وصفه بقوله آخر سورة الإسراء : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً إلى